الشيخ محمد الصادقي

69

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

وكتاب عيسى لا يحملها ، وإنما يدعو إلى كتاب موسى دون زيادة إلا دعوات أخلاقية ، وتحليلات لبعض ما حرم ابتلاء في كتاب موسى « 1 » ، فلأن الإنجيل لا يحمل شريعة جديدة تنسخ شريعة التوراة وإنما تكملها أخلاقيا ، اعتبره رسل الجن هنا استمرارا لشريعة موسى ، إذا فالقرآن كتاب أنزل من بعد موسى ، وهذا هو حق المعنى في انتقالهم إلى القرآن بعد كتاب موسى ، تلميحا مليحا أنه الشريعة المفصلة المستقلة بعد التوراة « مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ » من الإنجيل والتوراة « يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ » : الشرع الثابت الذي لا حول عنه ولا تحويل « وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ » على طول الخط بيننا وبين القيامة الكبرى ، لا عوج فيه « لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » ! . ولا يعني تصديق القرآن لما بين يديه ، تصديق الموجود من كتب الأنبياء ، المحرفة عن جهات إشراعها ، وإنما « بَيْنَ يَدَيْهِ » مما أوحي إليهم ، تصديقا لوحيها ، لا تثبيتا للعمل بها ، اللهم إلا الأحكام التي لم تنسخ منها . وترى كيف عرفوا أن القرآن نزل ككتاب موسى ؟ لأنهم آمنوا من قبل بكتاب موسى ، بالآيات الكبرى التي أتى بها موسى ، ثم قايسوا ما سمعوه من القرآن إلى كتاب موسى ، فأدركوا صلة عريقة بينهما في أصول الدعوة وجماع من فروعها ، وأنها من تلك النبعة التي نبع منها كتاب موسى ، بل وأحرى ، فإذا كان كتاب موسى وحيا وليس فيه آيات النبوة إلا قليلا ، فليكن القرآن وحيا وهو كله آيات للنبوة : « وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . . » قياس ناجح بين

--> ( 1 ) . وكما يقول تعالى حكاية عن عيسى ( ع ) : « وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ » وهو الذي حرّم عليهم ابتلاء لا أصلا يبقى : « وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا » .